الصفحة 1109
القبس في شرح موطأ مالك بن أنس
.............................. (خدْوا الذي لكم) (١). فمن الناس من قال إنه منسوخ بأخبارٍ من جملتها لا يحل مالَ امرىءٍ مسلمٍ إلا عن طيب نفسٍ (٢) منه. ومن الناس من قال إنها واجبة في القرى، حيث لا طعام ولا ماء بخلاف الحواضر، فإن كل من دخلها يجد فيها أينَ يأوي وما يشتري، والحديث الأول لا حجة فيه لأن النبي ﷺ قال: (فليكرم ضيفه)، والكرامة ليست بواجبةٍ والذي يتنخل عند التحقيق حسب ما بيناه في شرحِ الحديث أنها فرض على الكفاية كسائرِ فروض الكفايات (٣) وإبراهيم ﵇ أول من رأى الشيب فقال: ما هذا يا رب فقال وقار فقيل الخبر (٤) هو الكلام كله، فإن من كان قبل إبراهيم ﵇ يراه ولا يسأل عنه فلما غم على إبراهيم ﵇ وأنكره سأل ربه عنه فأعلمه بصفته الحسنَى وسكت له عن عيبه وإنما جعله وقاراً لأنه ينبىء عن ضعف القوى ويذهب بشرةَ الفتوة والصبى، فتسكن الحركات لضعف الشهوات، وقد قال كبار الصحابة ﵃: إن الله سبحانه ما شان نبيَّه بالشيب، ولو كان محموداً ما خضّب، فإنه لا يستر إلا ما يكره، وقد يحتمل أن يكون الشعْرُ، كان لا يتغير لمن سبقَ حتى وجدَه إبراهيم ﵇ والأول أقلُ عناء، وإذا قلنا إن الشيب يغير بالخضاب، فلا تبالي على أي لونٍ كان التغييرُ: بخطرٍ أو بفاغيةَ أسود أو أحمر، وإنما غيَّره أصحاب النّبىّ ﷺ بالحمرة, لأنه هو الذي عَرفوه، وأمكنهم في مواضعهم وقد روي أن النبي ﷺ
الحواشي:
= واحدة ومنهم من شددها وللترمذي فلا هم يضيفوننا ولا يؤدون ما لنا عليهم من الحق. فتح الباري ٥/ ١٠٨.
(١) الحديث متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب الأدب باب إكرام الضيف ٨/ ٣٩، ومسلم في كتاب اللقطة باب الضيافة ونحوها حديث (١٧٢٧) من حديث عقبة بن عامر ﵁ أنه قال: قلنا: يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا فما ترى؟ فقال لنا رسول الله ﷺ: (إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم) لفظ البخاري.
(٢) رواه الدارقطني ٣/ ٢٦ من حديث أنس ورواه الديلمي في مسند الفردوس (٧٦٣٥) قال الحافظ عن رواية الدارقطني فيها الحارث بن محمَّد الفهري راويه عن يحيى بن سعيد الأنصاري مجهول وله طريق أخرى عنده عن حميد عن أنس والراوي عنه داود بن الزبرقان متروك الحديث. تلخيص الحبير ٣/ ٤٦.
(٣) قال الحافظ ظاهر الحديث أن قري الضيف واجب وأن المنزول عليه لو امتنع من الضيافة أخذت منه قهرًا وقال به الليث مطلقًا وخصه أحمد بأهل البوادي دون القرى وقال الجمهور الضيافة سنة مؤكدة وأجابوا عن حديث الباب. بأجولة أحدها: حمله على المضطرين ثانيها أن ذلك كان في أول الإِسلام وكانت المواساة واجبة فلما فتحت الفتوح نسخ ذلك.
ثالثها أنه مخصوص بالعمال المبعوثين لقبض الصدقات عنه من جهة الإمام.
رابعها أنه خاص بأهل الذمة وأقوى الأجولة الأول. فتح الباري ٥/ ١٠٨، وانظر تفسير القرطبي ٩/ ٦٤.
(٤) في ج وم الخير.